محمد بن زكريا الرازي
مقدمة 14
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )
المتحرّك تحصل بأن يزيح جسم جسما آخر ولا تحصل بأن ينتقل الجسم من حيّز ملاء إلى حيز خلاء . دع أن الخلاء غير محدد النواحي أو الجهات وتبعا لذلك يتعسّر على الجسم أن يوجّه حركته ، فتمتنع الحركة لامتناع الموجّه لها . . . لكن الرازي جرى على مجرى أفلاطون ( - الإلهي ) وقال بأن الخلاء ممكن ، وإذا كان هذا هكذا ، فإنه يوجد فراغ قائم لا يحصل فيه أي جسم . وبالتعويل على هذا الوعي بالأمور يكون الخلاء بعدا مجردا متموضعا في الخارج وقائما بتوسّط نفسه . ويسمي أفلاطون الخلاء بعدا مفطورا « 15 » . وبالجملة ، القول بوجود الخلاء يقوّض تعريف أرسطو للطبيعة بأنها " مبدأ أول ، وعلة أولى بالذات ، لحركة ما بالذات ، أو سكون ما بالذات ، في شيء التغيّر له بالذات " لأن وجود الخلاء يجعل الحركة خاصة أساسية تقيّض للجسم الحركة بمعزل عن الطبيعة بوصفها مبدأ تحريك الجسم . وما لا ينبغي إغفاله في فلسفة الرازي هو قوله بالتناسخ . والتناسخ في عرف الحكماء هو انتقال النفس الناطقة من بدن إلى بدن آخر . يقول التهانوي : " إن أهل التناسخ المنكرين للمعاد الجسماني ، يقولون : إن النفوس الناطقة إنما تبقى مجردة عن الأبدان إذا كانت كاملة بحيث لم يبق شيء من كمالاتها بالقوة فصارت طاهرة عن جميع العلائق البدنية أي الجسمانية فتخلصت ووصلت إلى عالم القدس وأما النفوس التي بقي شيء من كمالاتها بالقوة فإنها تردد الأبدان الإنسانية وتنتقل من بدن إلى بدن آخر حتى تبلغ النهاية فيما هو كمالها من علومها وأخلاقها فحينئذ تبقى مجردة مطهرة عن التعلق بالأبدان ويسمى هذا الانتقال نسخا وقيل ربما نزلت من البدن الإنساني إلى بدن حيوان يناسبه في الأوصاف كبدن الأسد للشجاع والأرنب للجبان ويسمى هذا الانتقال مسخا وقيل ربما نزلت إلى الأجسام النباتية ويسمى رسخا وقيل إلى الجمادية كالمعادن والبسائط ويسمى فسخا . قالوا : هذه التنزلات المذكورة هي مراتب العقوبات وإليها الإشارة بما ورد من الدركات الضيقة في جهنم ، وقالوا : إن النفس في جميع مراتب التنزلات المذكورة تردد في الأجسام حتى تنتقل إلى بدن الإنسان وتردد في الأمم حتى تبلغ فيما هو كمالها من العلوم والأخلاق فتتخلص من الأبدان كلها . وقد
--> ( 15 ) - انظر : الجرجاني : " التعريفات " مكتبة لبنان - بيروت ( د . ت ) . مادة : خلاء